محمد سعيد رمضان البوطي

121

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وفي بيان هذه الحقيقة والتحذير من فهم الإسلام على أنه كلمات وعبادات فقط ، يقول اللّه عزّ وجلّ : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً [ النساء 4 / 60 ] . رابعا : ما من ريب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كان هو المتكفل بعبء الدعوة إلى دين اللّه ، إذ هو رسوله إلى الناس كافة فلا بدّ له من تبليغ دعوة ربّه . ولكن ماذا عن أولئك الذين يدخلون في الإسلام وعن علاقتهم بعبء هذه الدعوة ؟ إنك لتجد الجواب على هذا ، في إرسال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مصعب بن عمير مع أولئك الاثني عشر إلى المدينة بدعوة أهل المدينة إلى الإسلام وتعليمهم قراءة القرآن وأحكامه وإقامة الصلاة . ولقد انطلق مصعب بن عمير سعيدا بتلبية أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ، وراح يدعو أهل المدينة إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن ويبلغهم أحكام اللّه ، ولقد كان الرجل يدخل عليه وفي يده حربة يريد أن يقتله بها ، فما هو إلا أن يتلو عليه شيئا من كتاب اللّه ويذكر له بعض أحكام الإسلام ، حتى يلقي حربته ويتخذ مجلسه مع من حوله مسلما موحدا يتعلم القرآن وأحكام الإسلام ، حتى انتشر الإسلام في دور المدينة كلها ولم يكن بينهم حديث إلا عن الإسلام . وهل تعلم من هو مصعب بن عمير هذا ؟ ! إنه ذاك الذي كان أنعم غلام بمكة ، وأجود شبانها حلّة وبهاء . فلما دخل الإسلام ، طوى كل تلك الرفاهية وذلك النعيم ، وانطلق في سبيل الدعوة الإسلامية من وراء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتجرع كل شدة ويستعذب كل عذاب حتى قضى نحبه شهيدا في غزوة أحد ، وليس له مما يلبسه إلا ثوب واحد ، أرادوا أن يكفنوه به ، فكانوا إذا غطوا به رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا رجليه خرج رأسه فأخبروا بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فبكى للذي كان فيه من النعمة في صدر حياته ، ثم قال : « ضعوه مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر » « 39 » . فليست مهمة الدعوة الإسلامية وقفا على الرسل والأنبياء وحدهم ، ولا خلفائهم وورثتهم العلماء الذين يأتون من بعدهم ، وإنما الدعوة الإسلامية جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام نفسه ، فلا مناص ولا مفر لكل مسلم من القيام بعبئها مهما كان شأنه أو عمله واختصاصه ، إذ حقيقة الدعوة إنما هي ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وهو جماع معنى الجهاد كله في الإسلام ، وأنت خبير أن الجهاد فرض من فروض الإسلام تستقر تبعته على كل مسلم .

--> ( 39 ) مسلم : 3 / 48 ، وانظر الإصابة لابن حجر : 3 / 403